Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو الَّذِي ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى هَذا النَّحْلَ حَتّى أنَّها تَلْتَقِطُ تِلْكَ الذَّرّاتِ مِنَ الأزْهارِ وأوْراقِ الأشْجارِ بِأفْواهِها وتَأْكُلُها وتَغْتَذِي بِها، فَإذا شَبِعَتِ التَقَطَتْ بِأفْواهِها مَرَّةً أُخْرى شَيْئًا مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وذَهَبَتْ بِها إلى بُيُوتِها ووَضَعَتْها هُناكَ، لِأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِها غِذاءَها، فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَذاكَ هو العَسَلُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الأزْهارِ الطَّيِّبَةِ والأوْراقِ المُعَطَّرَةِ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقْلِبُ تِلْكَ الأجْسامَ في داخِلِ بَدَنِها عَسَلًا، ثُمَّ إنَّها تَقِيءُ مَرَّةً أُخْرى فَذاكَ هو العَسَلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى العَقْلِ وأشَدُّ مُناسَبَةً إلى الِاسْتِقْراءِ، فَإنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ العَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ، ولا شَكَّ أنَّهُ طَلٌّ يَحْدُثُ في الهَواءِ ويَقَعُ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأزْهارِ فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا فَنَحْنُ نُشاهِدُ أنَّ هَذا النَّحْلَ إنَّما يَتَغَذّى بِالعَسَلِ، ولِذَلِكَ فَإنّا إذا اسْتَخْرَجْنا العَسَلَ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ نَتْرُكُ لَها بَقِيَّةً مِن ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ تَغْتَذِيَ بِها، فَعَلِمْنا أنَّها إنَّما تَغْتَذِي بِالعَسَلِ وأنَّها إنَّما تَقَعُ عَلى الأشْجارِ والأزْهارِ لِأنَّها تَغْتَذِي بِتِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ العَسَلِيَّةِ الواقِعَةِ مِنَ الهَواءِ عَلَيْها.