Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ إخْراجَ الألْبانِ مِنَ النِّعَمِ، وإخْراجَ السَّكَرِ والرِّزْقِ الحَسَنِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ دَلائِلُ قاهِرَةٌ، وبَيِّناتٌ باهِرَةٌ عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا قادِرًا مُخْتارًا حَكِيمًا، فَكَذَلِكَ إخْراجُ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ دَلِيلٌ قاطِعٌ وبُرْهانٌ ساطِعٌ عَلى إثْباتِ هَذا المَقْصُودِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ يُقالُ: وحى وأوْحى، وهو الإلْهامُ، والمُرادُ مِنَ الإلْهامِ أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ في أنْفُسِها هَذِهِ الأعْمالَ العَجِيبَةَ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْها العُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّها تَبْنِي البُيُوتَ المُسَدَّسَةَ مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ، لا يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِمُجَرَّدِ طِباعِها، والعُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ لا يُمْكِنُهم بِناءُ مِثْلِ تِلْكَ البُيُوتِ إلّا بِآلاتٍ وأدَواتٍ مِثْلَ المِسْطَرِ والفِرْجارِ.
والثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ لَوْ كانَتْ مُشَكَّلَةً بِأشْكالٍ سِوى المُسَدَّساتِ فَإنَّهُ يَبْقى بِالضَّرُورَةِ فِيما بَيْنَ تِلْكَ البُيُوتِ فُرَجٌ خالِيَةٌ ضائِعَةٌ،