Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:65-67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السّابِعُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ اللَّبَنَ مِن فَضْلَةِ الدَّمِ، وإنَّما خَلَقَ الدَّمَ مِن لَطِيفِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّبَنَ مِن بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ الدَّمِ، ثُمَّ إنَّ اللَّبَنَ حَصَلَتْ فِيهِ أجْزاءٌ ثَلاثَةٌ عَلى طَبائِعَ مُتَضادَّةٍ، فَما فِيهِ مِنَ الدُّهْنِ
صفحة ٥٥
يَكُونُ حارًّا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ الجُبْنِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا يابِسًا، وهَذِهِ الطَّبائِعُ ما كانَتْ حاصِلَةً في ذَلِكَ العُشْبِ الَّذِي تَناوَلَتْهُ الشّاةُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لا تَزالُ تَنْقَلِبُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مَعَ أنَّهُ لا يُناسِبُ بَعْضُها بَعْضًا ولا يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ إنَّما تَحْدُثُ بِتَدْبِيرِ فاعِلٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ يُدَبِّرُ أحْوالَ هَذا العالَمِ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، فَسُبْحانَ مَن تَشْهَدُ جَمِيعُ ذَرّاتِ العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ.
أما قوله: ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ فَمَعْناهُ: جارِيًا في حُلُوقِهِمْ لَذِيذًا هَنِيئًا. يُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ وأساغَهُ صاحِبُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] .
* * *