Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:65-67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ واتِّصافَهُ بِالصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَكُونُ مُوافِقًا لِتَغْذِيَةِ الصَّبِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكَمٍ عَجِيبَةٍ وأسْرارٍ بَدِيعَةٍ، يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ والمُدَبِّرِ الرَّحِيمِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في أسْفَلِ المَعِدَةِ مَنفَذًا يَخْرُجُ مِنهُ ثِقَلُ الغِذاءِ، فَإذا تَناوَلَ الإنْسانُ غِذاءً أوْ شَرْبَةً رَقِيقَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ انْطِباقًا كُلِّيًّا لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ إلى أنْ يَكْمُلَ انْهِضامُهُ في المَعِدَةِ، ويَنْجَذِبُ ما صَفا مِنهُ إلى الكَبِدِ، ويَبْقى الثِّقَلُ هُناكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ ذَلِكَ المَنفَذُ ويُتْرَكُ مِنهُ ذَلِكَ الثِّقَلُ، وهَذا مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ، لِأنَّهُ مَتّى كانَتِ الحاجَةُ إلى بَقاءِ الغِذاءِ في المَعِدَةِ حاصِلَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ، وإذا حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى خُرُوجِ ذَلِكَ الجِسْمِ عَنِ المَعِدَةِ انْفَتَحَ، فَحُصُولُ الِانْطِباقِ تارَةً والِانْفِتاحُ أُخْرى بِحَسَبِ الحاجَةِ وتَقْدِيرِ المَنفَعَةِ، مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِتَقْدِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ.