Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:65-67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ المَعانِي حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ ؟ .
قُلْنا: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوجه اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمِزاجُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حارًّا يابِسًا، ومِزاجُ الأُنْثى يَجِبُ أنْ يَكُونَ بارِدًا رَطْبًا، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَكَوَّنُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الأُنْثى مُخْتَصَّةً بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الرُّطُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ في بَدَنِ الأُنْثى رُطُوباتٌ كَثِيرَةٌ لِتَصِيرَ مادَّةً لِتَوَلُّدِ الوَلَدِ.
والثّانِي: أنَّ الوَلَدَ إذا كَبِرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَدَنُ الأُمِّ قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ حَتّى يَتَّسِعَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإذا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً عَلى بَدَنِ الأُمِّ كانَ بَدَنُها قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ، فَيَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى خَصَّ بَدَنَ الأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّ الرُّطُوباتِ الَّتِي كانَتْ تَصِيرُ مادَّةً لِازْدِيادِ بَدَنِ الجَنِينِ حِينَ كانَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَعِنْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الثَّدْيِ والضَّرْعِ لِيَصِيرَ مادَّةً لِغِذاءِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ.