Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:61-64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ فَهو آتٍ بِالظُّلْمِ والذَّنْبِ، حَتّى يَلْزَمَ مِن إفْناءِ كُلِّ مَن كانَ ظالِمًا إفْناءُ كُلِّ النّاسِ.
أمّا إذا قُلْنا: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ظُلْمٌ فَلا يَجِبُ إفْناؤُهم، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن إفْناءِ كُلِّ الظّالِمِينَ إفْناءُ كُلِّ النّاسِ، وأنْ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ دابَّةٌ، ولَمّا لَزِمَ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ البَشَرِ ظالِمُونَ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأنْبِياءِ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ.
والجَوابُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ النّاسِ لَيْسُوا ظالِمِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: فَمِنَ العِبادِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ، ولَوْ كانَ المُقْتَصِدُ والسّابِقُ ظالِمًا لَفَسَدَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ لَيْسُوا ظالِمِينَ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ الخَلْقِ ظالِمُونَ.