Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:56-60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ:
الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها.
والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ.