Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:56-60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا.