Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:51-55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.
* * *