Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:48-50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوجه الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ تَكَبُّرٌ وتَرَفُّعٌ وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْمالَهم خالِيَةٌ عَنِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَواطِنَهم وظَواهِرَهم مُبَرَّأةٌ عَنِ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ، وأمّا البَشَرُ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وهَذا الحكم عامٌّ في الإنْسانِ، وأقَلُّ مَراتِبِهِ أنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ الإنْسانِ مُقْتَضِيَةً لِهَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِنّا إلّا وقَدْ عَصى أوْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا» “ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُبَرَّأ عَنِ المَعْصِيَةِ والهَمِّ بِها أفْضَلُ مِمَّنْ عَصى أوْ هَمَّ بِها.
الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ قَبْلَ البَشَرِ بِأدْوارٍ مُتَطاوِلَةٍ وأزْمانٍ مُمْتَدَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَهم بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وطُولُ العُمُرِ مَعَ الطّاعَةِ يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ.