Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:48-50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّجُودُ بِالمَعْنى الثّانِي وهو التَّواضُعُ والِانْقِيادُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللّائِقَ بِالدّابَّةِ لَيْسَ إلّا هَذا السُّجُودَ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ هَهُنا هو المَعْنى الأوَّلُ، لِأنَّ اللّائِقَ بِالمَلائِكَةِ هو السُّجُودُ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الثّانِي حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، ومِنهم مَن قالَ: السُّجُودُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ جائِزٌ، فَحَمْلُ لَفْظِ السُّجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا، أمّا في حَقِّ الدّابَّةِ فَبِمَعْنى التَّواضُعِ، وأمّا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَبِمَعْنى سُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ جَمِيعِ مَفْهُوماتِهِ مَعًا غَيْرُ جائِزٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ وأخْبَرَ بِالواحِدِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن رَجُلٍ مِثْلُهُ، وما أتانِي مِنَ الرِّجالِ مِثْلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الوجه في تَخْصِيصِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: