Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:48-50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ، إلّا أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَرِّكَ الشَّمْسِ بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ لَمْ يَقَعْ إلّا بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا السُّجُودِ الِانْقِيادُ والتَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] قَدْ مَرَّ بَيانُهُ وشَرْحُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا السُّجُودِ، أنَّ هَذِهِ الأظْلالَ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ
صفحة ٣٦
السّاجِدِ. قالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي في صِفَةِ وادٍ:
بِخَرْقٍ يُطِيلُ الجُنْحُ فِيهِ سُجُودَهُ ∗∗∗ ولِلْأرْضِ زِيُّ الرّاهِبِ المُتَعَبِّدِ
فَلَمّا كانَتِ الأظْلالُ تُشْبِهُ بِشَكْلِها شَكْلَ السّاجِدِينَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْها هَذا اللَّفْظَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: أمّا ظِلُّكَ فَسَجَدَ لِرَبِّكَ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ بِئْسَما صَنَعْتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ الكافِرِ يُصَلِّي وهو لا يُصَلِّي، وقِيلَ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ ساجِدًا أمْ لا.
واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الشُّبُهاتِ الظّاهِرَةِ.