Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:26-28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ ألْقَوُا السَّلَمَ وقالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ في الدُّنْيا مِن سُوءٍ، ثُمَّ هَهُنا اخْتَلَفُوا، فالَّذِينَ جَوَّزُوا الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ قالُوا: هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، وإنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الكَذِبِ لِغايَةِ الخَوْفِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَذِبَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قالُوا: مَعْنى الآيَةِ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ عِنْدَ أنْفُسِنا أوْ في اعْتِقادِنا، وأمّا بَيانُ أنَّ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، قالَ: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم، ومَعْنى ”﴿بَلى﴾“ الرَّدُّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَنْفَعُكم هَذا الكَذِبُ، فَإنَّهُ يُجازِيكم عَلى الكُفْرِ الَّذِي عَلِمَهُ مِنكم.