Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:24-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الأتْباعُ إلى الرُّؤَساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] بَلِ المَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ، حَتّى أنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِكُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأتْباعِ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَخَفَّ عَنِ الأتْباعِ بَعْضُ أوْزارِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» “ . ولَكِنَّها لِلْجِنْسِ أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ: المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَمْ يُجِبْ عَنْها، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى مَحْضِ الوَعِيدِ؛ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟