Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:17-21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ باطِلٌ وخَطَأٌ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ نِعَمِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِ كَرَمِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، بَلِ العَبْدُ وإنْ أتْعَبَ نَفْسَهُ في القِيامِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، وبالَغَ في شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِشُكْرِ النِّعَمِ مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ والتَّحْصِيلِ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا ولا مَفْهُومًا ولا مَعْلُومًا امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ، إلّا أنَّ العِلْمَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ حاصِلٍ لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ، وأقْسامَها وشُعَبَها واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، وعُقُولُ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِيها فَضْلًا عَنْ غاياتِها، وأنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ عَلى الوجه الَّذِي يَكُونُ ذَلِكَ الشُّكْرُ لائِقًا بِتِلْكَ النِّعَمِ. فَهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ يَعْنِي: أنَّكم لا تَعْرِفُونَها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وإذا لَمْ تَعْرِفُوها امْتَنَعَ مِنكُمُ القِيامُ بِشُكْرِها
صفحة ١٣