Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:17-21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: أفَمَن يَخْلُقُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ والبِحارِ والنُّجُومِ والجِبالِ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ أصْلًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن كانَ خالِقًا لِهَذِهِ الأشْياءِ فَإنَّهُ يَكُونُ إلَهًا ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا.
والوجه الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ أفْضَلَ مِمَّنْ لا يَكُونُ خالِقًا، فَوَجَبَ امْتِناعُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ومَعْناهُ: أنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ لا يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ بِها، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ أفْضَلَ مِنَ الصَّنَمِ، والأفْضَلُ لا يَلِيقُ بِهِ عِبادَةُ الأخَسِّ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَكَذَلِكَ - هَهُنا - المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الخالِقَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ الخالِقِ، فَيَمْتَنِعُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ صِفَةِ الخالِقِيَّةِ يَكُونُ إلَهًا.