Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:15-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البحث الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْهارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ والتَّقْدِيرُ ألْقى رَواسِيَ وأنْهارًا. وخَلْقُ الأنْهارِ لا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى بِالإلْقاءِ فَيُقالُ: ألْقى في الأرْضِ أنْهارًا كَما قالَ: ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ [ق: ٧] والإلْقاءُ مَعْناهُ الجَعْلُ، ألا تَرَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها﴾ [فصلت: ١٠] والإلْقاءُ يُقارِبُ الإنْزالَ؛ لِأنَّ الإلْقاءَ يَدُلُّ عَلى طَرْحِ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإلْقاءِ الجَعْلُ والخَلْقُ قالَ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
البحث الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ العُيُونِ والأنْهارِ.
* * *
النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ وهي أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ والتَّقْدِيرُ: وألْقى في الأرْضِ سُبُلًا ومَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَها وبَيَّنَها لِأجْلِ أنْ تَهْتَدُوا بِها في أسْفارِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا.