Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:15-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذِهِ الخُشُوناتِ ما كانَتْ حاصِلَةً بَلْ كانَتِ الأرْضُ كُرَةً حَقِيقِيَّةً خالِيَةً عَنِ الخُشُوناتِ والتَّضْرِيساتِ، لَصارَتْ بِحَيْثُ تَتَحَرَّكُ بِالِاسْتِدارَةِ بِأدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّ الجِرْمَ البَسِيطَ المُسْتَدِيرَ إمّا أنْ يَجِبَ كَوْنُهُ مُتَحَرِّكًا بِالِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَقْلًا إلّا أنَّهُ بِأدْنى سَبَبٍ يَتَحَرَّكُ عَلى هَذا الوجه، أمّا لَمّا حَصَلَ عَلى ظاهِرِ سَطْحِ كُرَةِ الأرْضِ هَذِهِ الجِبالُ، وكانَتْ كالخُشُوناتِ الواقِعَةِ عَلى وجْهِ الكُرَةِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الجِبالِ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِطَبْعِهِ نَحْوَ مَرْكَزِ العالَمِ، وتَوَجُّهُ ذَلِكَ الجَبَلِ نَحْوَ مَرْكَزِ العالَمِ بِثِقَلِهِ العَظِيمِ وقُوَّتِهِ الشَّدِيدَةِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الوَتَدِ الَّذِي يَمْنَعُ كُرَةَ الأرْضِ مِنَ الِاسْتِدارَةِ، فَكانَ تَخْلِيقُ هَذِهِ الجِبالِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كالأوْتادِ المَغْرُوزَةِ في الكُرَةِ المانِعَةِ لَها عَنِ الحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ، فَكانَتْ مانِعَةً لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدِ والمَيْلِ والِاضْطِرابِ، بِمَعْنى: أنَّها مَنَعَتِ الأرْضَ مِنَ الحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ، فَهَذا ما وصَلَ إلَيْهِ بَحْثِي في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى عَلى وجْهِ الأرْضِ هي أنَّهُ تَعالى أجْرى الأنْهارَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، واعْلَمْ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا بَحْثانِ: