Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:12-13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
سَخَّرَ لَنا هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها مُسَخَّرَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا هو الكَلامُ الصَّحِيحُ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ لِلنّاسِ هَذِهِ الأشْياءَ وجَعَلَها مُوافِقَةً لِمَصالِحِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّرَةً تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ وإذْنِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ غَيْرُ لازِمٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: التَّسْخِيرُ عِبارَةٌ عَنِ القَهْرِ والقَسْرِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِمَن هو قادِرٌ يَجُوزُ أنْ يَقْهَرَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وفي الجَماداتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا دَبَّرَ هَذِهِ الأشْياءَ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِمَصالِحِ العِبادِ صارَتْ شَبِيهَةً بِالعَبْدِ المُنْقادِ المِطْواعِ، فَلِهَذا المَعْنى أطْلَقَ عَلى هَذا النوع مِنَ التَّدْبِيرِ لَفْظَ التَّسْخِيرِ.
وعَنِ الوجه الثّانِي في الجَوابِ: وهو لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ هي الحَرَكَةُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، واللَّهُ تَعالى يُحَرِّكُ هَذِهِ الكَواكِبَ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، فَكانَتْ هَذِهِ الحَرَكَةُ قَسْرِيَّةً، فَلِهَذا السَّبَبِ ورَدَ فِيها اللَّفْظُ ”التَّسْخِيرُ“ .