Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:12-13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّ ذاتَ الجِسْمِ لَوْ كانَتْ عِلَّةً لِحُصُولِ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ لَوَجَبَ دَوامُ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ بِدَوامِ تِلْكَ الذّاتِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَوَجَبَ بَقاءُ الجِسْمِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ أصْلًا، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا، ويَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجِسْمَ مُتَحَرِّكٌ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا لِذاتِهِ وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ الغَيْرُ إمّا أنْ يَكُونَ سارِيًا فِيهِ أوْ مُبايِنًا عَنْهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البحث المَذْكُورَ عائِدٌ في أنَّ ذَلِكَ الجِسْمَ بِعَيْنِهِ لَمّا اخْتُصَّ بِتِلْكَ القُوَّةِ بِعَيْنِها دُونَ سائِرِ الأجْسامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ أجْسامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ أُمُورٌ مُبايِنَةٌ عَنْها، وذَلِكَ المُبايِنُ إنْ كانَ جِسْمًا أوْ جُسْمانِيًّا عادَ التَّقَسُّمُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا ولا جُسْمانِيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ أوْ فاعِلًا مُخْتارًا، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ المُوجِبِ بِالذّاتِ إلى جَمِيعِ الأجْسامِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الأجْسامِ بِقَبُولِ بَعْضِ الآثارِ المُعَيَّنَةِ أوْلى مِن بَعْضٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الفاعِلُ المُخْتارُ القادِرُ المُنَزَّهُ عَنْ كَوْنِهِ جِسْمًا وجُسْمانِيًّا، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فالحاصِلُ أنّا ولَوْ حَكَمْنا بِإسْنادِ حَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ والكَوْكَبِيَّةِ فَهَذِهِ الحَرَكاتُ الكَوْكَبِيَّةُ والفَلَكِيَّةُ لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلى أفْلاكٍ أُخْرى، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو