Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القُرْآنُ والوَحْيُ بِهِ تَكْمُلُ المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ، والمُكاشَفاتُ الرَّبّانِيَّةُ وهَذِهِ المَعارِفُ بِها يُشْرِقُ العَقْلُ ويَصْفُو ويَكْمُلُ، والعَقْلُ بِهِ يَكْمُلُ جَوْهَرُ الرُّوحِ، والرُّوحُ بِهِ يَكْمُلُ حالُ الجَسَدِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ الرُّوحَ الأصْلِيَّ الحَقِيقِيَّ هو الوَحْيُ والقُرْآنُ؛ لِأنَّ بِهِ يَحْصُلُ الخَلاصُ مِن رَقْدَةِ الجَهالَةِ، ونَوْمِ الغَفْلَةِ، وبِهِ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أوْجِ المَلَكِيَّةِ، فَظَهَرَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الرُّوحِ عَلى الوَحْيِ في غايَةِ المُناسَبَةِ والمُشاكَلَةِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَفْظَ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] وعَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] وإنَّما حَسُنَ هَذا الإطْلاقُ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ وُجُودِهِما حَياةُ القَلْبِ وهي الهِدايَةُ والمَعارِفُ، فَلَمّا حَسُنَ إطْلاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلَيْهِما لِهَذا المَعْنى؛ فَلَأنْ يَحْسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الرُّوحِ عَلى الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ كانَ ذَلِكَ أوْلى.