Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 15:90-91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ واحِدَها عِضَةٌ مِثْلَ عِزَةٍ وبِرَةٍ وثِبَةٍ، وأصْلُها عُضْوَةٌ مِن عَضَيْتُ الشَّيْءَ إذا فَرَّقْتَهُ، وكُلُّ قِطْعَةٍ عِضَةٌ، وهي مِمّا نَقَصَ مِنها واوٌ هي لامُ الفِعْلِ، والتَّعْضِيَةُ التَّجْزِئَةُ والتَّفْرِيقُ، يُقالُ: عَضَّيْتُ الجَزُورَ والشّاةَ تَعْضِيَةً إذا جَعَلْتَها أعْضاءً وقَسَّمْتَها، وفي الحَدِيثِ: «”لا تَعْضِيَةَ في مِيراثٍ إلّا فِيما احْتَمَلَ القِسْمَةَ“» أيْ: لا تَجْزِئَةَ فِيما لا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ كالجَوْهَرَةِ والسَّيْفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ يُرِيدُ جَزَّؤُهُ أجْزاءً، فَقالُوا: سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ ومُفْتَرًى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ واحِدَها عِضَةٌ وأصْلُها عِضَهَةٌ، فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ هاءَيْنِ، فَقالُوا: عِضَةٌ كَما قالُوا شِفَةٌ، والأصْلُ شِفَهَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: شافَهْتُ مُشافَهَةً، وسِنَةٌ وأصْلُها سِنْهَةٌ في بَعْضِ الأقْوالِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِضَةِ بِمَعْنى الكَذِبِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «”إيّاكم والعِضَةَ“» وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: العِضَةُ بِأنْ يَعِضَهُ الإنْسانُ، ويَقُولَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ. وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ فِيما رَوى اللَّيْثُ عَنْهُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ: جَعَلُوهُ مُفْتَرًى. وجُمِعَتِ العِضَةُ جَمْعَ ما يَعْقِلُ لِما لَحِقَها مِنَ الحَذْفِ، فَجَعَلَ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِمّا لَحِقَها مِنَ الحَذْفِ.