Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 15:57-61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أما قوله تَعالى: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إنَّما يَكُونُ فِيما اتَّحَدَ الحكم فِيهِ، كَما لَوْ قِيلَ: أهْلَكْناهم إلّا آلَ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ، وكَما لَوْ قالَ المُطَلِّقُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلّا ثِنْتَيْنِ إلّا واحِدَةً، وكَما إذا قالَ: المُقِرُّ لِفُلانٍ عَلى عَشَرَةِ دَراهِمَ إلّا ثَلاثَةً إلّا دِرْهَمًا، فَأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الحُكْمانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُرْسِلْنا﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ قَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا اسْتِثْناءً مِنَ اسْتِثْناءٍ.
وأما قوله: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى التَّقْدِيرِ في اللُّغَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ. يُقالُ: قَدِّرْ هَذا الشَّيْءَ بِهَذا أيِ: اجْعَلْهُ عَلى مِقْدارِهِ، وقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى الأقْواتَ أيْ: جَعَلَها عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ، ثُمَّ يُفَسَّرُ التَّقْدِيرُ
صفحة ١٥٩
بِالقَضاءِ، فَقالَ: قَضى اللَّهُ عَلَيْهِ كَذا، وقَدَّرَهُ عَلَيْهِ أيْ: جَعَلَهُ عَلى مِقْدارِ ما يَكْفِي في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقِيلَ في مَعْنى: ﴿قَدَّرْنا﴾ كَتَبْنا. قالَ الزَّجّاجُ: دَبَّرْنا. وقِيلَ: قَضَيْنا، والكُلُّ مُتَقارِبٌ.