Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 15:42-43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ أوْهَمَ هَذا الكَلامُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِنَ المُخْلَصِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى أحَدٍ مِن عَبِيدِ اللَّهِ سَواءٌ كانُوا مُخْلِصِينَ أوْ لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ، بَلْ مَنِ اتَّبَعَ مِنهم إبْلِيسَ بِاخْتِيارِهِ صارَ مُتَّبِعًا لَهُ، ولَكِنَّ حُصُولَ تِلْكَ المُتابَعَةِ أيْضًا لَيْسَ لِأجْلِ أنَّ إبْلِيسَ يَقْهَرُهُ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ أوْ يُجْبِرُهُ عَلَيْها والحاصِلُ في هَذا القَوْلِ: أنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَ أنَّ لَهُ عَلى بَعْضِ عِبادِ اللَّهِ سُلْطانًا، فَبَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلى أحَدٍ مِنهم سُلْطانٌ ولا قُدْرَةٌ أصْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٠] قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الشَّيْطانَ والجِنَّ يُمْكِنُهم صَرْعُ النّاسِ، وإزالَةُ عُقُولِهِمْ كَما يَقُولُهُ العامَّةُ، ورُبَّما نَسَبُوا ذَلِكَ إلى السَّحَرَةِ قالَ: وذَلِكَ خِلافُ ما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَذَكَرَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إغْواءِ المُخْلِصِينَ صَدَّقَهُ اللَّهُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَلِهَذا قالَ الكَلْبِيُّ: العِبادُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهم إبْلِيسُ.