Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 15:16-18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ في هَذا المَوْضِعِ أبْحاثًا دَقِيقَةً ذَكَرْناها في سُورَةِ المُلْكِ وفي سُورَةِ الجِنِّ، ونَذْكُرُ مِنها هَهُنا إشْكالًا واحِدًا، وهو أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا جَوَّزْتُمْ في الجُمْلَةِ أنْ يَصْعَدَ الشَّيْطانُ إلى السَّماواتِ، ويَخْتَلِطَ بِالمَلائِكَةِ، ويَسْمَعَ أخْبارَ الغُيُوبِ عَنْهم، ثُمَّ إنَّها تَنْزِلُ وتُلْقِي تِلْكَ الغُيُوبَ عَلى الكَهَنَةِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ
صفحة ١٣٥
أنْ يَخْرُجَ الإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا؛ لِأنَّ كُلَّ غَيْبٍ يُخْبِرُ عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ قامَ فِيهِ هَذا الِاحْتِمالُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، لا يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنّا نَقُولُ هَذا العَجْزُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بَعْدَ القَطْعِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وكَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، والقَطْعُ بِهَذا لا يُمْكِنُ إلّا بِواسِطَةِ المُعْجِزِ، وكَوْنُ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا لا يَثْبُتُ إلّا بَعْدَ إبْطالِ هَذا الِاحْتِمالِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ مُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنّا نُثْبِتُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ بَعْدَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْجَزَ الشَّياطِينَ عَنْ تَلَقُّفِ الغَيْبِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ مُعْجِزًا، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْدَفِعُ الدَّوْرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.