Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 15:13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قالُوا: إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الكُفْرُ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ هو الإيمانُ: فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنَّما رَضِيَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الجَهْلِ لِأجْلِ جَهْلٍ آخَرَ سابِقٍ عَلَيْهِ، فَيَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ جَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإلّا وجَبَ انْتِهاءُ كُلِّ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ أوَّلٍ سابِقٍ حَصَلَ في قَلْبِهِ لا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الَّذِي قُلْناهُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيها، وأيْضًا قُدَماءُ المُفَسِّرِينَ مِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وتَلامِذَتِهِ أطْبَقُوا عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيها، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ تَأْوِيلٌ مُسْتَحْدَثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، فَكانَ مَرْدُودًا، ورَوى القاضِي عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ المُرادَ كَذَلِكَ نَسْلُكُ القَسْوَةَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ثم قال القاضِي: إنَّ القَسْوَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن قِبَلِ الكافِرِ بِأنْ يَسْتَمِرَّ عَلى كُفْرِهِ ويُعانِدَ، فَلا يَصِحُّ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ ونَبْوَةً عَظِيمَةً عَنْهُ حَتّى أنَّهُ كُلَّما رَآهُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ واصْفَرَّ وجْهُهُ، ورُبَّما ارْتَعَدَتْ أعْضاؤُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ والإصْغاءِ لِقَوْلِهِ، فَحُصُولُ هَذِهِ الأحْوالِ في قَلْبِهِ أمْرٌ اضْطِرارِيٌّ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُها عَنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ واخْتِيارِهِ ؟