Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:47-52
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ.