Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:35-36
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ المَعْصِيَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ والثّانِي باطِلانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي﴾ اللَّفْظُ فِيهِ مُطْلَقٌ فَتَخْصِيصُهُ بِالصَّغِيرَةِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فالصَّغائِرُ والكَبائِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبَةُ الغُفْرانِ عِنْدَ الخُصُومِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَفاعَةٌ في إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ حُصُولُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ حُصُولُها في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
والثّانِي: وهو أنَّ هَذا المَنصِبَ أعْلى المَناصِبِ فَلَوْ حَصَلَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّالِثُ: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَهَذا وجْهٌ قَرِيبٌ في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.