Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:35-36
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثم قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَعْنِي مَن تَبِعَنِي في دِينِي واعْتِقادِي فَإنَّهُ مِنِّي، أيْ جارٍ مَجْرى بَعْضِي لِفَرْطِ اخْتِصاصِهِ بِي وقُرْبِهِ مِنِّي، ومَن عَصانِي في غَيْرِ الدِّينِ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ، والغَرَضُ مِنهُ الشَّفاعَةُ في حَقِّ أصْحابِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صَرِيحٌ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ العُصاةِ. فَنَقُولُ: أُولَئِكَ العُصاةُ إمّا أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ أوْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ في مُقَدِّمَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ عَلى دِينِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنهُ ولا يَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ.
والثّانِي: أنَّ الأُمَّةَ
صفحة ١٠٦
مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في إسْقاطِ عِقابِ الكُفْرِ غَيْرُ جائِزَةٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَفاعَةٌ في العُصاةِ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مِنَ الكُفّارِ.