Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:32-34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا النَّظَرُ فِيما بَعْدَ حُصُولِها: فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ الأبْدانَ حَتّى يُمْكِنَها الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ بِالكُلِّيَّةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِانْتِفاعَ بِاللُّقْمَةِ الواحِدَةِ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِمَعْرِفَةِ جُمْلَةِ الأُمُورِ، والعُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ ذَرَّةٍ مِن هَذِهِ المَباحِثِ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ القاهِرِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ قِيلَ: يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها كَفّارٌ شَدِيدُ الكُفْرانِ لَها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا: الجِنْسُ؛ يَعْنِي أنَّ عادَةَ هَذا الجِنْسِ هو هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى النِّسْيانِ وعَلى المَلالَةِ، فَإذا وجَدَ نِعْمَةً نَسِيَها في الحالِ وظَلَمَها بِتَرْكِ شُكْرِها، وإنْ لَمْ يَنْسَها فَإنَّهُ في الحالِ يَمَلُّها فَيَقَعُ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ، وأيْضًا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ فَمَتى حاوَلَ التَّأمُّلَ في بَعْضِها غَفَلَ عَنِ الباقِي.