Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: الفِعْلُ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ يَتَرَتَّبُ بَعْضُها عَلى البَعْضِ تَرْتِيبًا لازِمًا طَبِيعِيًّا، وبَيانُهُ أنَّ أعْضاءَ الإنْسانِ بِحُكْمِ السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ والصَّلاحِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، والإقْدامِ والإحْجامِ، فَما لَمْ يَحْصُلْ في القَلْبِ مَيْلٌ إلى تَرْجِيحِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الفِعْلِ، وذَلِكَ المَيْلُ هو الإرادَةُ الجازِمَةُ، والقَصْدُ الجازِمُ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ الجازِمَةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ عِلْمٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ ظَنٍّ بِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ سَبَبٌ لِلنَّفْعِ أوْ سَبَبٌ لِلضَّرَرِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ هَذا الِاعْتِقادُ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى الفِعْلِ ولا إلى التَّرْكِ، فالحاصِلُ أنَّ الإنْسانَ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شُعُورُهُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلائِمٍ ولا مُنافِرٍ، فَإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى الفِعْلِ
صفحة ٨٩
وإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى التَّرْكِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لا هَذا ولا ذاكَ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ ولا إلى ضِدِّهِ، بَلْ بَقِيَ الإنْسانُ كَما كانَ، وعِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ المَيْلِ الجازِمِ تَصِيرُ القُدْرَةُ مَعَ ذَلِكَ المَيْلِ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ.