Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:11-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ شَرِيفٌ دَقِيقٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِن حُكَماءِ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ لَهُ. وأمّا الظّاهِرِيُّونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَهَبُها لِكُلِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ حُصُولُها عَلى امْتِيازِ ذَلِكَ الإنْسانِ عَنْ سائِرِ النّاسِ بِمَزِيدِ إشْراقٍ نَفْسانِيٍّ وقُوَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ إلّا بِمَحْضِ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَطِيَّةِ مِنهُ، والكَلامُ مِن هَذا البابِ غامِضٌ غائِصٌ دَقِيقٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والجَسَدانِيَّةَ تَواضُعًا مِنهم، واقْتَصَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى لا يَخُصُّهم بِتِلْكَ الكَراماتِ إلّا وهم مَوْصُوفُونَ بِالفَضائِلِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ التَّخْصِيصَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .