Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:10
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى يُمَتِّعَكم في الدُّنْيا بِالطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ إلى المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ؟
قُلْنا: قَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ المسألة في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ قالُوا: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْتَمِلٌ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الشُّبَهِ:
فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ الأشْخاصَ الإنْسانِيَّةَ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَبْلُغَ التَّفاوُتُ بَيْنَ تِلْكَ الأشْخاصِ إلى هَذا الحَدِّ، وهو أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِنهم رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ مُخالِطًا لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ والباقُونَ يَكُونُونَ غافِلِينَ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، أيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنْ كُنْتَ قَدْ فارَقْتَنا في هَذِهِ الأحْوالِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وجَبَ أنْ تُفارِقَنا في الأحْوالِ الخَسِيسَةِ، وفي الحاجَةِ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والحَدَثِ والوِقاعِ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ .