Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوجه الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِاليَدِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُجَجِ وذَلِكَ لِأنَّ إسْماعَ الحُجَّةِ إنْعامٌ عَظِيمٌ والإنْعامُ يُسَمّى يَدًا. يُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ إذا أوْلاهُ مَعْرُوفًا، وقَدْ يُذْكَرُ اليَدُ والمُرادُ مِنها صَفْقَةُ البَيْعِ والعَقْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فالبَيِّناتُ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَذْكُرُونَها ويُقَرِّرُونَها نِعَمٌ وأيادٍ، وأيْضًا العُهُودُ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها مَعَ القَوْمِ أيادٍ، وجَمْعُ اليَدِ في العَدَدِ القَلِيلِ هو الأيْدِي وفي العَدَدِ الكَثِيرِ هو الأيادِي، فَثَبَتَ أنَّ بَيِّناتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُهُودَهم صَحَّ تَسْمِيَتُها بِالأيْدِي، وإذا كانَتِ النَّصائِحُ والعُهُودُ إنَّما تَظْهَرُ مِنَ الفَمِ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ صارَتْ مَرْدُودَةً إلى حَيْثُ جاءَتْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: ١٥] فَلَمّا كانَ القَبُولُ تَلَقِّيًا بِالأفْواهِ عَنِ الأفْواهِ كانَ الدَّفْعُ رَدًّا في الأفْواهِ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ أبِي مُسْلِمٍ في تَقْرِيرِ هَذا الوجه.