Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: القَوْلُ الثّانِي عِنْدِي أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ نَفى العِلْمَ بِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ إذْ لَوْ كانَتْ ذَواتُهم مَعْلُومَةً، وكانَ المَجْهُولُ هو مُدَدَ أعْمارِهِمْ وكَيْفِيَّةَ صِفاتِهِمْ لَما صَحَّ نَفْيُ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ، ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ لا جَرَمَ كانَ الأقْرَبُ هو القَوْلَ الثّانِيَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الأقْوامِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهُ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ أتَوْا بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وفي مَعْناهُ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِاليَدِ والفَمِ الخارِجَتانِ المَعْلُومَتانِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِما شَيْءٌ غَيْرُ هاتَيْنِ الجارِحَتَيْنِ وإنَّما ذَكَرَهُما مَجازًا وتَوَسُّعًا. أمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ و﴿أفْواهِهِمْ﴾ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ فَعَضُّوها مِنَ الغَيْظِ والضَّجَرِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الرُّسُلِ واسْتِماعِ كَلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى، وهو اخْتِيارُ القاضِي.