Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 14:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المسألة الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُمْكِنُهُ إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والمُرادُ بِهَذا الإذْنِ إمّا الأمْرُ، وإمّا العِلْمُ، وإمّا المَشِيئَةُ والخَلْقُ، وحَمْلُ الإذْنِ عَلى الأمْرِ مُحالٌ، لِأنَّ الإخْراجَ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الأمْرِ، فَإنَّهُ سَواءٌ حَصَلَ الأمْرُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَإنَّ الجَهْلَ مُتَمَيِّزٌ عَنِ العِلْمِ والباطِلَ مُتَمَيِّزٌ عَنِ الحَقِّ، وأيْضًا حَمْلُ الإذْنِ عَلى العِلْمِ مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ يَتْبَعُ المَعْلُومَ عَلى ما هو عَلَيْهِ فالعِلْمُ بِالخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ تابِعٌ لِذَلِكَ الخُرُوجِ ويَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ إنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الخُرُوجِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِحُصُولِ ذَلِكَ الخُرُوجِ ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ المَشِيئَةَ والتَّخْلِيقَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُمْكِنُهُ إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ الإلْطافَ؟