Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:32-34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ.