Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفاتِ السُّعَداءِ وذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ حالِ الأشْقِياءِ، وذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأحْوالِ المُخْزِيَةِ المَكْرُوهَةِ، وأتْبَعَ الوَعْدَ بِالوَعِيدِ والثَّوابَ بِالعِقابِ، لِيَكُونَ البَيانُ كامِلًا فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ عَهْدَ اللَّهِ ما ألْزَمَ عِبادَهُ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ لِأنَّها أوْكَدُ مِن كُلِّ عَهْدٍ وكُلِّ يَمِينٍ، إذِ الأيْمانُ إنَّما تُفِيدُ التَّوْكِيدَ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها تُوجِبُ الوَفاءَ بِمُقْتَضاها، والمُرادُ مِن نَقْضِ هَذِهِ العُهُودِ أنْ لا يَنْظُرَ المَرْءُ في الأدِلَّةِ أصْلًا، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُهُ العَمَلُ بِمُوجَبِها أوْ بِأنْ يَنْظُرَ فِيها ويَعْلَمَ صِحَّتَها، ثُمَّ يُعانِدَ فَلا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أوْ بِأنْ يَنْظُرَ في الشُّبْهَةِ فَيَعْتَقِدَ
صفحة ٣٨
خِلافَ الحَقِّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ وثَّقَ اللَّهُ تِلْكَ الأدِلَّةَ وأحْكَمَها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أقْوى مِمّا دَلَّ اللَّهُ عَلى وُجُوبِهِ في أنَّهُ يَنْفَعُ فِعْلُهُ ويَضُرُّ تَرْكُهُ.