Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:20-24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ
صفحة ٣٥