Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:17-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الأشْقِياءُ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِرَبِّهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءُ الحِسابِ، والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أنَّهم أحَبُّوا الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنِ المَوْلى، فَلَمّا ماتُوا بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ مَعْشُوقِهِمُ الَّذِي هو الدُّنْيا، وبَقُوا مَحْرُومِينَ عَنِ الفَوْزِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى.
والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى عاكِفِينَ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا ماتُوا فارَقُوا مَعْشُوقَهم فَيَحْتَرِقُونَ عَلى مُفارَقَتِها، ولَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ آخَرُ يَجْبُرُ هَذِهِ المُصِيبَةَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَأْوى فَقالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
* * *
ثم قال تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ فَهَذا إشارَةٌ إلى المَثَلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو أنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ كالبَصِيرِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، ولَيْسَ أحَدُهُما كالآخَرِ؛ لِأنَّ الأعْمى إذا
صفحة ٣٢
أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ قائِدٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ في البِئْرِ وفي المَهالِكِ، ورُبَّما أفْسَدَ ما كانَ عَلى طَرِيقِهِ مِنَ الأمْتِعَةِ النّافِعَةِ، أمّا البَصِيرُ فَإنَّهُ يَكُونُ آمِنًا مِنَ الهَلاكِ والإهْلاكِ.