Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:17-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والنوع الثّانِي: مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذاكَ لِأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهم، وأقُولُ: هاهُنا حالَتانِ: فَكُلُّ ما شَغَلَكَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ ومَحَبَّتِهِ فَهي الحالَةُ السَّعِيدَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْوِيَّةُ القُدُسِيَّةُ، وكُلُّ ما شَغَلَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهي الحالَةُ الضّارَّةُ المُؤْذِيَةُ الخَسِيسَةُ، ولا شَكَّ أنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ يَقْبَلانِ الأشَدَّ والأضْعَفَ والأقَلَّ والأزْيَدَ، ولا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الأعْمالِ المُناسِبَةِ لِهَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ قُوَّتَها ورُسُوخَها لِما ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ تِلْكَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ حَتّى اللَّمْحَةُ واللَّحْظَةُ والخُطُورُ بِالبالِ والِالتِفاتُ الضَّعِيفُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ أثَرًا ما في حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ في النَّفْسِ فَهَذا هو الحِسابُ، وعِنْدَ التَّأمُّلِ في هَذِهِ الفُصُولِ يَتَبَيَّنُ لِلْإنْسانِ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧].
إذا ثَبَتَ هَذا فالسُّعَداءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ في الإعْراضِ عَمّا سِوى اللَّهِ وفي الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولا جَرَمَ حَصَلَ لَهُمُ الحُسْنى.