Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ الحَيَواناتِ تَخْلُقُ حَرَكاتٍ وسَكَناتٍ مِثْلَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والإنْكارِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ، قالَ القاضِي: نَحْنُ وإنْ قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ ويُحْدِثُ، إلّا أنّا لا نُطْلِقُ القَوْلَ بِأنَّهُ يَخْلُقُ، ولَوْ أطْلَقْناهُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أحَدَنا يَفْعَلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما يَفْعَلُ لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ ودَفْعِ مَضَرَّةٍ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ خَلْقُهُ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَهَذا الإلْزامُ لازِمٌ لِلْمُجْبِرَةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: عَيْنُ ما هو خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَهو كَسْبُ العَبْدِ وفِعْلٌ لَهُ، وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الإلَهَ والعَبْدَ في خَلْقِ تِلْكَ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكَيْنِ اللَّذَيْنِ لا مالَ لِأحَدِهِما إلّا ولِلْآخَرِ فِيهِ حَقٌّ، وأيْضًا فَهو تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَيْبًا لِلْكُفّارِ وذَمًّا لِطَرِيقَتِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما بَقِيَ لِهَذا الذَّمِّ فائِدَةٌ، لِأنَّ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَلَقَ هَذا الكُفْرَ فِينا، فَلِمَ يَذُمُّنا عَلَيْهِ ولا يَنْسُبُنا إلى الجَهْلِ والتَّقْصِيرِ مَعَ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِينا لا بِفِعْلِنا ولا بِاخْتِيارِنا.