Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ كَثِيرَةً مُتَوالِيَةً حَصَلَ في نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَكَرُّرِها مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ راسِخَةٌ، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً سارَّةً بِالأعْمالِ النّافِعَةِ في السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ ابْتِهاجُهُ بِها بَعْدَ المَوْتِ؛ وإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً ضارَّةً في الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ تَضَرُّرُهُ بِها بَعْدَ المَوْتِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّكْرِيرَ الكَثِيرَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ المُتَكَرِّرَةِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وذَلِكَ الأثَرُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ إلّا أنَّهُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ لَمْحَةٌ ولا حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ، إلّا ويَحْصُلُ مِنهُ في جَوْهَرِ نَفْسِهِ أثَرٌ مِن آثارِ السَّعادَةِ، أوْ آثارِ الشَّقاوَةِ قَلَّ أوْ كَثُرَ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَتَبَةِ الأعْمالِ عِنْدَ هَؤُلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ بِالمَلائِكَةِ.