Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 13:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُشاهَدًا مَعْلُومًا، وأنَّ أحَدًا ما رَأى أنَّهُ تَعالى اسْتَقَرَّ عَلى العَرْشِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلَيْهِ ؟ وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يُشاهَدَ كَوْنُهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِكَمالِ حالِهِ وغايَةِ جَلالِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى المَكانِ والحَيِّزِ، وأيْضًا فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ بِهَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ صارَ بِهَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ.
وأيْضًا الِاسْتِواءُ ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُعْوَجًّا مُضْطَرِبًا، ثُمَّ صارَ مُسْتَوِيًا، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ اسْتِواؤُهُ عَلى عالَمِ الأجْسامِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ والحِفْظِ، يَعْنِي أنَّ مَن فَوْقَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى في حِفْظِهِ وفي تَدْبِيرِهِ وفي الِاحْتِياجِ إلَيْهِ.
وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ: فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ اشْتَمَلَ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ: