Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:101-105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها.
وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ.
وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ.
والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ.
ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ.