Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:101-105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ.
قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) .
وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ.