Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:101-105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾
صفحة ١٧٤
﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ.