Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:101-105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: