Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:100
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم خَرُّوا لَهُ أيْ: لِأجْلِ وِجْدانِهِ سَجَدا لِلَّهِ تَعالى، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ سُجُودًا لِلشُّكْرِ، فالمَسْجُودُ لَهُ هو اللَّهُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ إنَّما كانَ لِأجْلِهِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ذَلِكَ السَّرِيرَ، ثُمَّ سَجَدُوا لَهُ، ولَوْ أنَّهم سَجَدُوا لِيُوسُفَ لَسَجَدُوا لَهُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلى السَّرِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في التَّواضُعِ.
فَإنْ قالُوا: فَهَذا التَّأْوِيلُ لا يُطابِقُ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ (يُوسُفَ: ٤) .
قُلْنا: بَلْ هَذا مُطابِقٌ ويَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ لِأجْلِي أيْ أنَّها سَجَدَتْ لِلَّهِ لِطَلَبِ مَصْلَحَتِي ولِلسَّعْيِ في إعْلاءِ مَنصِبِي، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا سَقَطَ السُّؤالُ.
وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ.