Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:78-79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ القَحْطُ عَلى القَوْمِ ولَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعامَ، وكانُوا يَبِيعُونَ أنْفُسَهم مِنهُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصَيْرُورَةِ أكْثَرِ أهْلِ مِصْرَ عَبِيدًا لَهُ ثُمَّ إنَّهُ أعْتَقَ الكُلَّ، فَلَعَلَّهم قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى عامَّةِ النّاسِ بِالإعْتاقِ فَكُنْ مُحْسِنًا أيْضًا إلى هَذا الإنْسانِ بِإعْتاقِهِ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ آخُذَ بَرِيئًا بِمُذْنِبٍ، قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أخْذِ أحَدٍ بِغَيْرِهِ، فَلَمّا سَقَطَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ انْتَصَبَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ لَقَدْ تَعَدَّيْتُ وظَلَمْتُ إنْ آذَيْتُ إنْسانًا بِجُرْمٍ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الواقِعَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَزْوِيرٌ وكَذِبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ
صفحة ١٤٩
رِسالَتِهِ الإقْدامُ عَلى هَذا التَّزْوِيرِ والتَّرْوِيجِ وإيذاءِ النّاسِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لا سِيَّما ويَعْلَمُ أنَّهُ إذا حَبَسَ أخاهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ حُزْنُ أبِيهِ ويَشْتَدُّ غَمُّهُ ؟ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المَعْصُومِ المُبالَغَةُ في التَّزْوِيرِ إلى هَذا الحَدِّ ؟